ابن قيم الجوزية

101

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

الحسن عن جابر بن عبد اللّه قال قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أحدثكم بغرف الجنة ؟ » قال قلنا بلى يا رسول اللّه بأبينا أنت وأمنا ، قال إن في الجنة غرفا من أصناف الجوهر كله يرى ظاهرها من باطنها من ظاهرها ، فيها من النعيم واللذات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، قال قلنا يا رسول اللّه لمن هذه الغرف ؟ قال لمن أفشى السلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام ، قال : قلنا يا رسول اللّه ومن يطيق ذلك ؟ قال أمتي تطيق ذلك وسأخبركم عن ذلك من لقي أخاه فسلم عليه فقد أفشى السلام ، ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام ، ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام ، فقد أدام الصيام ومن صلى صلاة العشاء الأخيرة في جماعة فقد صلى الليل والناس نيام اليهود والنصارى والمجوس » وهذا الإسناد وإن كان لا يحتج به وحده فإذا انضم إليه ، ما تقدم استفاد قوة مع أنه قد روي بإسنادين آخرين . الباب السابع والثلاثون في ذكر معرفتهم لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة وإن لم يروها قبل ذلك قال تعالى : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ قال مجاهد يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا وقال ابن عباس في رواية أبي صالح « هم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم » . وقال محمد بن كعب يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة . هذا قول جمهور المفسرين وتلخيص أقوالهم ما قاله أبو عبيدة عرفها لهم أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال وقال مقاتل ابن حيان : بلغنا أن الملك الموكل بحفظ بني آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه اللّه في الجنة فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه . وقال سلمة بن كهيل طرقها لهم ومعنى هذا أنه طرقها لهم حتى يهتدوا إليها وقال الحسن . وصف اللّه الجنة في الدنيا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها وعلى هذا القول فالتعريف وقع في الدنيا ويكون المعنى يدخلهم الجنة التي عرفها لهم وعلى القول الأول يكون التعريف واقعا في الآخرة هذا كله إذا قيل أنه من التعريف وفيها قول آخر أنه من العرف وهو الرائحة